كيف تُصنع الشائعة؟ من أبي لهب إلى خوارزميات السوشيال ميديا
كيف تتحول كلمة صغيرة إلى شائعة، ولماذا يضاعف التكرار والخوارزميات أثرها؟
لا تبدأ الشائعة عادةً بكذبة ضخمة يعلنها شخص من فوق منبر. تبدأ بجملة صغيرة: «سمعت إن…»، أو معلومة ناقصة، أو خبر غاضب يسبق صاحبه إلى زر الإرسال. ثم تجد من يكررها، ومن يضيف إليها تفصيلًا، ومن ينقلها وهو يقول: «أنا مش متأكد، بس انشروا». وبعد قليل تصبح الجملة التي لم نعرف مصدرها قصة يعرفها الجميع.
تغيرت الأدوات بين سوق مكة وشاشة الهاتف، لكن السلوك الإنساني لم يتغير كثيرًا: كلمة تؤذي، وجمهور يردد، ومصلحة أو غضب أو خوف يمنحها الوقود. الفرق أن الشائعة اليوم لا تمشي على قدمين؛ إنها تجري بسرعة الضوء تقريبًا، وتجد من الخوارزميات ما يساعدها على الوصول إلى من لم يطلبها أصلًا.
شرارة لا تبدو خطيرة
الشائعة ليست دائمًا خبرًا مختلقًا من أوله إلى آخره. أحيانًا تكون حقيقة صغيرة أُخرجت من سياقها، أو سؤالًا تحوّل إلى اتهام، أو صورة صحيحة وُضعت تحت عنوان خاطئ. ولهذا يسهل تصديقها؛ فهي لا تطلب منا أن نقفز بعيدًا عن الواقع، بل تدفعنا خطوة واحدة فقط في الاتجاه الخطأ.
وأخطر ما فيها أنها تستعير ثقة ناقلها. حين يرسلها قريب أو صديق أو شخص نتابعه كثيرًا، لا نفحصها بعيننا وحدنا؛ بل ندخل معها رصيد الثقة الذي نمنحه لذلك الشخص. وهنا تصبح المسؤولية مضاعفة: فالرسالة لا تنتقل وحدها، بل تنتقل ومعها اسمك.
الشائعة لا تحتاج دليلًا قويًا بقدر ما تحتاج ناقلًا موثوقًا.
حين كان الأذى باللسان
في السيرة الإسلامية يظهر أبو لهب مثالًا على خصومة لم تعتمد على السلاح وحده، بل على العلانية والسخرية والإيذاء بالكلمة. وكما تناولنا في مقال سابق، «لسانك حصانك»، فإن الكلمة قد تكون فعلًا له أثره. وسورة المسد حفظت اسمه وصورة هذا السلوك، وفيها ذكر امرأته بوصف «حمالة الحطب». لا نتعامل مع القصة هنا كتفصيل تاريخي معزول، بل كتذكير بأن نشر العداء قد يبدأ من اللسان قبل أي شيء آخر.
كان المجال يومها محدودًا: مجلس، طريق، سوق، أو جماعة تعرف بعضها. أما اليوم فقد صار لكل إنسان منبر صغير في جيبه، وصار التعليق يعبر مدنًا وقارات قبل أن يراجع كاتبه ما قاله. لم يعد السؤال: «هل قلتها؟» فقط، بل: «كم شخصًا وصلت إليه لأنني قلتها؟».
التكرار يصنع ألفة… والألفة تخدع
للعقل عادة مفيدة في أغلب الأحيان: ما نعرفه يبدو أسهل في المعالجة والفهم. لكن هذه العادة قد تنقلب علينا حين تتكرر معلومة خاطئة. فالتكرار يمنحها ألفة، والألفة قد تجعلها تبدو صحيحة ولو لم يقدم أحد دليلًا واحدًا عليها. يسمي الباحثون ذلك «وهم الحقيقة»؛ أي الميل إلى الحكم على العبارة المكررة بأنها أصدق من العبارة الجديدة.
لهذا لا يكفي أن تقول: «أنا لم أؤلف الخبر». تكراره نفسه قد يمنحه حياة جديدة. وكل إعادة إرسال أو تعليق أو اقتباس ساخر تزيد احتمال أن يصادفه شخص آخر، وأن يظن أن كثرة الحديث عنه دليل على صحته. ليس كل مشهور صحيحًا، وليس كل متداول موثوقًا.
تكرار الكذبة لا يحولها إلى حقيقة، لكنه قد يجعلها تبدو مألوفة.
الخوارزمية لا تعرف الصواب
الخوارزمية ليست شخصًا شريرًا يقرر أن ينشر الشائعات، لكنها في كثير من المنصات مصممة لتلتقط الإشارات التي تدل على الاهتمام: نقرات، تعليقات، مشاركة، ووقت مشاهدة. والخبر الغاضب أو المخيف أو المثير للدهشة يجذب تلك الإشارات غالبًا أكثر من التصحيح الهادئ.
وهكذا تنشأ دائرة مغلقة: منشور مثير يجذب تفاعلًا، والتفاعل يدفعه إلى أشخاص أكثر، والانتشار يمنحه شكلًا من أشكال الشرعية في أعين بعضهم. لا تقول الخوارزمية: «هذا صحيح»، لكنها قد تقول عمليًا: «هذا يثير الناس، فلنعرضه أكثر». لذلك فإن مشاركتك ليست فعلًا خاصًا تمامًا؛ إنها إشارة تدخل في آلة التوزيع.
قبل المشاركة، اسأل: من قال؟ وكيف عرف؟
قبل أن تضغط «مشاركة»
لا تحتاج إلى أن تكون صحفيًا محترفًا كي توقف سلسلة شائعة. يكفي أن تمنح نفسك دقيقة: هل للخبر مصدر أصلي واضح؟ هل نشرته جهة موثوقة أم مجرد حساب مجهول؟ هل العنوان أوسع من محتوى الخبر؟ وهل توجد مصادر مستقلة تؤكده؟ وإذا كان الخبر يطلب منك أن تغضب أو تخاف فورًا، فهذه بالذات لحظة مناسبة للتباطؤ.
وفي أحيان كثيرة يكون أفضل قرار هو ألا تنشر شيئًا. الصمت هنا ليس سلبية، بل اختيار واعٍ لعدم منح المعلومة المشكوك فيها دفعة جديدة. وإن كان التصحيح ضروريًا، فليكن بهدوء وبمصدر واضح، من دون إعادة تدوير العبارة المضللة في عنوانك أو تعليقك أكثر مما يلزم.
لسانك حصانك… ولو كان لوحة مفاتيح
يقال: «لسانك حصانك إن صنته صانك، وإن خنته خانك». وربما كان أجدر بنا اليوم أن نضيف: ولو كان لسانك لوحة مفاتيح. فالمنشور لا يختفي دائمًا كما تختفي الجملة في الهواء، وقد يصل إلى شخص لا تعرفه فيؤثر في سمعته أو أمانه أو قراره.
الإنسان لم يتغير في حبه للخبر الغريب أو في ميله إلى تصديق ما يوافق خوفه ورغبته، لكن أدواته هي التي تضخمت. ومن هنا تبدأ المسؤولية الرقمية الحقيقية: ألا نكون حلقة إضافية في سلسلة الأذى، وألا نمنح الشائعة عمرًا أطول من عمرها.
ختاما
الشائعة القديمة والجديدة تشتركان في شيء واحد: كلتاهما تحتاج إلى بشر يختارون أن يحملوها. اختلفت الساحات من طرقات مكة إلى صفحات السوشيال ميديا، لكن السؤال بقي كما هو: هل تكون لسانًا ينقل بلا تفكير، أم عقلًا يتثبت قبل أن يتكلم؟
لا تنس أن تشاركنا رأيك بالتعليق والإعجاب . وأيضا، إعادة نشر المقال مع أصدقائك
المراجع
Share
ما هو رد فعلك؟
إعجاب
0
لم يعجبنى
0
أحببته
0
مضحك
0
غاضب
0
حزين
0
نجاح باهر
0